عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

12

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

أنت له ما يؤيده ، فقد يكون العلم في نفسه مؤيدا بالكتاب والسنة ، ولكن قلة استعدادك منعتك من فهمه فلن تستطيع أن تتناوله بهمتك من محله فتظن أنه غير مؤيد بالكتاب والسنة ، فالطريق في هذا التسليم وعدم العمل به من غير إنكار إلى أن يأخذ اللّه بيدك إليه ، لأن كل علم يرد عليك لا يخلو من ثلاثة أوجه : الوجه الأول : المكالمة ، وهو ما يرد على قلبك من طريق الخاطر الرباني والملكي فهذا لا سبيل إلى رده ولا إلى إنكاره ، فإن مكالمات الحق تعالى لعباده وإخباراته مقبولة بالخاصية لا يمكن لمخلوق دفعها أبدا ؛ وعلامة مكالمة الحق تعالى لعباده أن يعلم السامع بالضرورة أنه كلام اللّه تعالى ، وأن يكون سماعه له بكليته ، وأن لا يقيد بجهة دون غيرها ، ولو سمعه من جهة فإنه لا يمكنه أنه يخصه بجهة دون أخرى ؛ ألا ترى إلى موسى عليه السلام سمع الخطاب من الشجرة ولم يقيد بجهة والشجرة جهة ، ويقرب الخاطر الملكي من الخاطر الرباني في القبول ولكن ليست له تلك القوة ، إلا أنه اعتبر قبل بالضرورة ، وليس هذا الأمر فيما يرد من جناب الحق على طريق المكالمة فقط بل تجلياته أيضا كذلك ، فمتى تجلى شيء من أنوار الحق للعبد علم العبد بالضرورة من أول وهلة أنه نور الحق ، سواء كان التجلي صفاتيا أو ذاتيا علميا أو عينيا ، فمتى تجلى عليك شيء وعلمت في أول وهلة أنه نور الحق أو صفة أو ذاته فإن ذلك هو التجلي فافهم ، فإن هذا البحر لا ساحل له . وأما الإلهام الإلهي فإن طريق المبتدىء في العمل به أن يعرضه على الكتاب والسنة ، فإن وجد شواهده منهما فهو إلهام إلهي ، وإن لم يجد له شاهدا فليتوقف عن العمل به مع عدم الإنكار لما سبق ، وفائدة التوقف أن الشيطان قد يلقي في قلب المبتدىء شيئا يفهمه أنه إلهام إلهي ، فيخشى ذلك أن يكون من هذا القبيل ، وليلزم صحة التوجه إلى اللّه تعالى والتعلق به مع التمسك بالأصول إلى أن يفتح اللّه عليه بمعرفة ذلك الخاطر . الوجه الثاني : هو أن يكون العلم واردا على لسان من ينسب إلى السنة والجماعة فهذا إن وجدت له شاهدا أو محملا فهو المراد ، وإلا فكف وكن مما لا يمكنه الإيمان به مطلقا لغلبة نور عقلك على نور إيمانك ، فطريقك فيه طريقك في مسئلة الإلهام بين التوقف والاستسلام . الوجه الثالث : أن يكون العلم واردا على لسان من اعتزل عن المذهب والتحق بأهل البدعة فهذا العلم هو المرفوض ، ولكن الكيس لا ينكره مطلقا ، بل يقبل منه ما